<
تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة
تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة

  

مقدّمة الطبعة الثالثة

 

ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 1992، وقد أثار الكثير من الأصداء، ومعظمها أصداء إيجابية نفعت الدارسين في مجال الفن القصصي، إذ كُتب العديد من رسائل الدكتوراة والماجستير والأبحاث المختلفة انطلاقًا من الطرح الذي يعتمده هذا الكتاب. وهذا الأمر حمّلني مسؤولية جسيمة، سرّني أن أنقلها إلى بعض الدارسين والطلبة الذين أجروا أبحاثهم بوحي من كتابي هذا. ولعل هذا هو السبب الذي دفعني لإعادة إصدار الكتاب مع هذه المقدمة الموجزة لتوضيح بعض الأمور، وهي كذلك بمثابة ردّ على بعض ما جاء من تساؤلات من بعض النقاد والأدباء والمهتمين بالفن القصصي.

وأولى هذه القضايا، التي أدهشت البعض، هي كون الموضوع الذي طُرح لا يعالج مجموعة من التقنيات أو الوسائل الفنية لتقديم العالم الداخلي للشخصية، بل ثمة محاولة، أراها الآن بعد خمس وعشرين سنة، للتنظير لنوع أدبي جديد وخطير غزا الفن القصصي. ليس الأمر عبارة عن مجموعة من التقنيات التي استحدثها السياق الثقافي والاجتماعي فحسب، بل تضافرًا لهذه التقنيات الفنية لإنتاج دلالة جديدة تنزاح بالكتابة القصصية من الرؤية الخارجية الأفقية للعالم الخارجي الجمعي إلى الانحدار إلى العالم الداخلي للفرد/الإنسان.

وهكذا غدت رواية تيار الوعي كنوع أدبي علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي الحديث، لا عودة إلى الوراء بعدها. حتى في الكتابة الواقعية الجديدة، التي نهضت ثانية مع بداية القرن الحادي والعشرين، تبدو آثار رواية التيار في ابتعاد هذه الكتابة عن التنميط، وفي تبنّيها للعديد من أساليب تيار الوعي كنوع أدبي، وفي صدامها مع المؤسسة اللغوية التي ما فتئت تفرض هيمنتها على المؤسسة الأدبية في بعض السياقات الثقافية.

إن الانشغال بالعوالم الداخلية في الفن القصصي تعود جذوره إلى تلك القطيعة مع الرواية الواقعية التقليدية، كما تمثلت في كتابات محفوظ، بدءًا برواية القاهرة الجديدة وانتهاء بالثلاثية، لكنها قطيعة تدريجية ترسّخت بقلم نفس الكاتب الذي بشّر بولادة الواقعية ونعاها بعد حين في روايته اللص والكلاب. وهذا الانشغال بدخيلة النفس البشرية انسحب على الراوي العليم الذي تخلّى عن الكثير من بطريكيَّته لصالح الشخصية التي أحكمت سيطرتها على العديد من تقنيات القصّ، كاللغة والوعي والرمز، فبدا القصّ في معظمه رديفًا للشخصيات، محكومًا لخلجاتها ومصطبغًا بأهوائها. ولا غرو بعد ذلك أن نشهد أعمالاً كثيرة ظهرت منذ نهاية الستينات كان الراوي فيها بضمير المتكلم، وذلك كنوع من الإيغال في إحكام الشخصية لقبضتها على تقنيات الفن القصصي، وأخذها لزمام الأمور لسبر أغوار النفس البشرية بأدوات ذاتية تدّعي أنها الأقدر على تكريس الموضوعية بفهم جديد.

ولم يكن عبثًا تشبّثنا بمفهوم "القسريات النوعية" كمصطلح بديل لعدة مصطلحات ومفاهيم تبدو باهتة ونحن نعالج فنًّا قصصيًّا تصطرع في داخله عدة تقنيات شكلية ومضمونية، فالإملاءات التي تقع على الكاتب، ومن ثمّ على النوع الأدبي، تفرض استعمال أدوات معينة للتعبير عن عالمٍ بكرٍ لم يعهده الفن القصصي في الأدب العربي من قبل. إن مصطلح "القسريات" لا يحمل في طياته مفهوم الإرغام فحسب، بل يضمن التعامل مع السمات أو المميزات، وغير ذلك من المصطلحات، كمعطًى متحرك جدليّ يؤثر في عناصر العمل الأدبي بشكل عينيّ ويتأثّر بها.

إن القسريات الخمس التي وقف عليها هذا الكتاب هي من المرونة بحيث يمكنها أن تتسع لتضم العديد من القسريات الثانوية. وإذا أخذنا الشخصية كمفتاح أساسي لهذه الرؤية/النظرية فإن جميع هذه القسريات تدور في فلكها. إن مشاركة الشخصية في تقديم الأحداث كقسر أسلوبي فرض قسريات مرافقة، كاستعمال الصوت المتداخل الذي يمزج بين صوت الراوي وصوت الشخصية، أو تبني الحوار الداخلي بأشكاله. وتستجيب اللغة لحمل هذه المهمة للتعبير عن عالم الشخصية الداخلي فتفقد العديد من سماتها كلغة معيارية أو فصيحة. وهو ما أثار النقد التقليدي الذي انطلق، وما زال ينطلق، من الحفاظ على المصالح اللغوية رافضًا تغليب الأدبي على اللغوي الـمُقَوْلَب.

إن محاكاة العالم الداخلي في رواية تيار الوعي تفرض قسرًا آخر، وهو تقديم ما قبل الكلام بأسلوب يكتسب من المصداقية العلمية التي روّج لها علم النفس وعلوم سلوكية أخرى. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أمرين اثنين ينطبقان على جميع القسريات بشكل أو بآخر. الأمر الأول أن القسر الواحد يؤدي إلى سلسلة من القسريات. فالفكرة التي سقطت على الأدب من علم النفس لا بدّ لها وهي تدخل حرم الأدب من أن تتزيّا بزيّ أدبي، وزيّ الأدب هو اللغة التي تروّض نفسها لتقبّل هذا الوافد الجديد. الأمر الثاني، وهو نابع من الأول ومرتبط به، هو كون القسريات النوعية وليدة إملاءات من خارج الأدب، كالسياسة وعلم الاجتماع والعلوم السلوكية والعلوم الطبيعية والموسيقى والفنون المختلفة.. إلخ.

القسر الثالث هو ما أطلقنا عليه موقعة الوعي زمانيًّا ومكانيًّا، بحيث يكون وعيًا خاصًّا بالشخصية ومتغيّرًا من لحظة إلى أخرى. ويكتسب هذا المفهوم دلالته الزمانية من تغيّر دخيلة الشخصية من لحظة إلى أخرى، أما الدلالة المكانية فعلى افتراض أن الشخصية تشغل حيّزًا وتحتل فضاءً. وهذا الحيّز أو الفضاء هو خاصّ بها ومختلف عمّا سواها. وكم تتحمّل اللغة من همّ وهي تسعى للتعبير عن هذه الموقعة أو الخصوصية التي تختلف من شخص لآخر، بل تختلف لدى الشخص نفسه بين لحظة وأخرى!

لعل أكثر العلوم التي أثّرت على رواية تيار الوعي فحدّدت اسمها ورسمت معالمها هو علم النفس التحليلي، الذي كان لفرويد النصيب الأكبر في إبراز العديد من موضوعاته وقضاياه. ومع ذلك، فالرموز، التي ذُكرتْ عن الأحلام وطبقات الوعي والاستفادة من الميثولوجيا اليونانية في طرح بعض المسائل النفسية، كعقدة أوديب وعقدة إلكترا وغيرهما، انتشرت بوسائل شعبية وجماهيرية في الحياة الثقافية. ومن هنا، فنحن لا نتحدث عن حقائق علمية حين تخلع بعض الألفاظ دلالاتها الحقيقية لتكتسب دلالات رمزية. وليس بالضرورة أن تكون تلك الدلالات الأخيرة مَقيسة ومُعتمدَة علميًّا، بل تستمد هذه الرموز معقوليتها من قناعات الأديب والقارئ التي يستمدانها من السياق الثقافي العام. وهذا ما ينطبق على القسر النوعي الرابع في رواية تيار الوعي لترميز الواقع عبر موتيفات الوعي الخاص بالشخصية، وهي رموز خاصة لا ترتبط بأي منطق عام. وقارئ الأدب يحتاج هنا لقدرة غير عادية على التماهي مع الشخصية لفهم منطقها الخاص، الذي يعني في الأدب منطق الكلمات والألفاظ. وهذا المنطق، إذا ما أخذنا بالحسبان جدلية القسريات المختلفة، فيه من الخصوصية والتراكب بقدر ما بين وعي الشخوص الروائية من اختلاف وتباين.

إن التداخل والتباين والتراكب والاختلاف، وغير ذلك من مفاهيم العصر الحديث التي تشي بتعدّديته وتعقُّد آلياته التعبيرية، تقف على طرف نقيض من البساطة والأحادية والمباشرة والتسطيح، وتلقي بظلالها الثقيلة على التمايز بين الماضي والحاضر في رواية التيار. الماضي يحتلّ رقعة الحدث الروائي، فيصبح الفعل في داخل الشخوص المنقطعة عن الحاضر والعائشة في معارج الذكريات. وهذه الذكريات لا تُقدَّم من خلال راوٍ متمكّن، بل عبر شخصيات سادرة في مسارب الوعي السحيقة. وينعكس ذلك على تشظّي السرد الذي يأتي للتعبير عن التداخل المتواتر بين رقعة الحكاية الآنية ورقعة الخلفية الغائرة في متاهات الوعي. وهذا هو القسر الأخير الذي يشكّل إغلاقًا لدائرة القسريات الخمس.

ولا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل لكل من لاحظ ملاحظة إيجابية أو سلبية على هذا الكتاب، واعدًا بمواصلة المشوار قدر جهدي لسدّ الثغرات وتدارك الأخطاء.

 

أيار، 2017                                محمود غنايم